يحيي بن حمزة العلوي اليمني

115

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

« إلا » سواء تقدم الفاعل أو تأخر عن المفعول ، ومما جاء في حصر الفاعل قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] فالمعنى أنه لا خاشى لله إلا هم ، وأنهم هم المستبدون بمراقبة الله تعالى : وتعظيم شأنه من بين سائر الخلق ، ولو كان الحصر واقعا في المفعول لانعكس المعنى ، فلو قال إنما يخشى العلماء الله ، لكان تقديره ما خشي العلماء إلا الله ، وعلى هذا يكون الحصر في المخشّى لا في الخاشى ويفيد أن المخشى هو الله دون غيره ، وعند هذا لا يمتنع أن يشارك العلماء غيرهم في خشية الله ، فعلى المعنى الأول الخشية محصورة في العلماء ، وعلى المعنى الثاني الله المخشى دون غيره ، ومع هذا يكون مخشيا للعلماء ولغيرهم ، وسرّ التفرقة بين المعنيين إنما يحصل من جهة ما ذكرناه من انحصار الفاعل ، والمفعول بعد « إلا » كما قررناه ، وإنما كان الحصر مختصا بإلا ، ولم يكن حاصلا قبلها ؛ لأن الحصر من أثر « إلّا » وأثر الحرف لا يحصل إلا بعده ، ولا يكون حاصلا قبله ، الوجه الثاني الحصر في الصفات ، أما حصر الأسماء عليها ، فكقولك : ما زيد إلا قائما ، فإنك نفيت أن يكون زيد على صفة من الصفات إلا صفة القيام ، وأما حصرها على الأسماء فكقولك : ما قائم إلا زيد فإنك نفيت أن يكون القيام لأحد إلا لزيد ، فالحصر إنما يتناول ما بعد « إلا » كما قررناه ، فعلى هذا يكون اعتبار المسائل في الأسماء والصفات في الحصر ، فإن قال قائل هل يكون قوله تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [ الأنعام : 100 ] من باب التقديم والتأخير ، أو يكون من باب الحصر ، فإن كان من باب الحصر فليس هنا ما يوجب الحصر ويقتضيه من الأحرف التي تدل عليه ، وإن جعلتموه من باب التقديم والتأخير ، فأظهروا التفرقة بين المعاني في التقديم والتأخير ، والجواب أما الحصر فلا مدخل له هاهنا ، لفقد ما يكون دالا على الحصر من أحرف المعاني وهي ، إنما ، وما ، وإلا ، وإذا بطل أن تكون الآية من باب الحصر وجب جعلها من باب التقديم والتأخير ، وعلى هذا يكون لها في الإعراب تفسيران ، ويكون المعنى فيها تابعا للإعراب كما نوضحه . التفسير الأول أن يكون الجعل من باب التصيير كقوله تعالى : أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً